الجاحظ

188

الحيوان

وذهب بعضهم إلى أنّ اللّه تعالى يطبعهم على استلذاذ النّار والعيش فيها ، كما طبع ديدان الثلج والخلّ على العيش في أماكنها [ 1 ] . وذهب آخرون إلى أنّ اللّه عزّ وجلّ يحدث لأبدانهما علّة لا تصل النّار إليها ، وتنعم قلوبهما وأبدانهما من وجه آخر كيف شاء . وقالوا : وقد وجدنا النّاس يحتالون لأنفسهم في الدّنيا حيلا ، حتى يدخل أحدهم بعض الأتاتين [ 2 ] بذلك الطلاء ، ولا تضرّه النار ، وهو في معظمها ، وموضع الجاحم [ 3 ] منها . ففضل ما بين قدرة اللّه وقدرة عباده أكثر من فضل ما بين حرّ نار الدّنيا والآخرة . وذهب بعضهم إلى أنّ سبيلها فيها كسبيل نار إبراهيم ؛ فإنّه لما قذف فيها بعث اللّه عزّ وجلّ ملكا يقال له ملك الظلّ ، فكان يحدّثه ويؤنسه ؛ فلم تصل النار إلى أذاه ، مع قربه من طباع ذلك الملك . وكيفما دار الأمر في هذه الجوابات ؛ فإن أخسّها وأشنعها أحسن من قول من زعم أنّ اللّه تعالى يعذّب بنار جهنّم من لم يسخطه ولا يعقل كيف يكون السخط . ومن العجب أنّ بعضهم يزعم أن اللّه تعالى إنما عذّبه ليغمّ أباه . وإنما يفعل ذلك من لا يقدر على أن يوصل إليهم ضعف الاغتمام ، وضعف الألم الذي ينالهم بسبب أبنائهم . فأمّا من يقدر على إيصال ذلك المقدار إلى من يستحقه ، فكيف يوصله ويصرفه إلى من لا يستحقّه ؟ وكيف يصرفه عمّن أسخطه إلى من لم يسخطه ؟ هذا وقد سمعوا قول اللّه عزّ وجلّ : يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ . وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ . وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ . وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ . كَلَّا إِنَّها لَظى . نَزَّاعَةً لِلشَّوى [ 4 ] وكيف يقول هذا القول من يتلو القرآن ؟ ! ثمّ رجع بنا القول إلى الذبّان وأصناف الذّبّان . 826 - [ الذبان أجهل الخلق ] والذّبّان أجهل الخلق ؛ لأنّها تغشى النّار من ذات أنفسها حتى تحترق . وقال الشاعر : [ من المتقارب ] ختمت الفؤاد على حبّها * كذاك الصّحيفة بالخاتم

--> [ 1 ] انتهى ما نقله الثعالبي في ثمار القلوب ( 839 ) . [ 2 ] الأتاتين : جمع أتّون ، وهو الموقد . « اللسان : أتن » . [ 3 ] الجاحم : المكان الشديد الحر . « القاموس : جحم » . [ 4 ] 11 - 16 / المعارج 70 . [ 5 ] البيتان بلا نسبة في ثمار القلوب 399 ( 730 ) ، والأوائل للعسكري 1 / 144 .